النيل الأبيض..هل خرج وباء «الكوليرا» عن السيطرة!!




سودان نيوز ـ النيل الأبيض:

     «يعد توفير المياه ومرافق الإصحاح المأمونة أمراً حاسماً لمكافحة الكوليرا وغيرها من الأمراض المنقولة بالمياه.» .. هكذا تقول منظمة الصحة العالمية في سردها للحقائق الرئيسية لهذا المرض الذي يؤدى إلى وفاة ما بين 21 ألف إلى 143 ألف شخص من أنحاء العالم سنويا، في حين ترى المنظمة أن صلة وثيقة بين سريان الكوليرا وبين قصور إتاحة إمدادات المياه النظيفة ومرافق الإصحاح، حيث تشير إلى أن المناطق المعرضة للخطر من الناحية النموذجية تشمل الأحياء الفقيرة المتاخمة للمدن التي تنعدم فيها البنية التحتية الأساسية، وكذلك مخيمات المشردين داخلياً أو اللاجئين التي لا تستوفي أدنى المتطلبات فيما يتعلق بتوفير إمدادات المياه النظيفة ومرافق الإصحاح. 

والمتتبع لمسيرة الأحداث المتفاقمة يرى أنها مرت سريعا و لم تلق لها الحكومة اهتماما بالقدر الذي جعلها "تجقلب" يمينا وشمالاً هذه الأيام، في محاولة للبحث عن مخرج لكبح جماح "وباء" الكوليرا، الذي انتشر في تمرحله من ولاية النيل الأزرق حتى وصل إلى النيل الأبيض، ومن المعروف أن الولايتين تجاوران معسكرات التشرد واللجوء ما يعزز صحة ما ذهبت إليه منظمة الصحة العالمية حول أسباب انتشار المرض. 

انتشار المرض
واستنادا على تلك الفرضيات وغيرها من الأساسيات التي تمهد لزيادة انتشار المرض نظرا لواقع الأمر في الولايتين وما تعانيانه من ترد واضح في البنى التحتية لا سيما من جانب الصحة، يمكن القول أن "الوباء" خرج عن سيطرة إدارات الصحة الغارقة في مشاكلها وأزماتها المتجددة التي أصبتها بجملة من "الوبائيات" وعطّلت سيرها نحو إيجاد الحلول السريعة لصد الكارثة الصحية التي تضرب البلاد وتكشف زيف التقارير الكاذبة الخاطئة عن الوضع الصحي العصيب الذي يضع ما يسمى بحكومة "الوفاق الوطني" في أول امتحان عسير لها بعد خروجها من ولادة متعسرة هي الأخرى. 

وفي سبتمبر من العام الماضي كان الغموض يكتنف المشهد الصحي في ولاية النيل الأزرق، في أعقاب تقارير متضاربة عن تفشي حالات "إسهال مائي"، أدت إلى وفاة ما لا يقل عن 15 شخص بحسب إحصاءات رسمية، بينما قالت معلومات متطابقة حينها أن الوفيات تجاوزت ذلك الرقم بكثير ورجحت مصادر طبية تفشي مرض الكوليرا القاتل في العديد من مناطق الولاية. 

وبعدها أعلنت وزارة الصحة تسجيل 416 حالة إصابة بـ"إسهامات" توفى منها 17 في ثلاث ولايات بالبلاد منذ الأسبوع الثالث من أغسطس الماضي، وأفادت الوزارة، في بيان، لها ، إن "نظام الترصد المرضي رصد زيادة في عدد حالات الإسهالات في المناطق الطرفية في ثلاثة ولايات هي كسلا والنيل الأزرق ونهر النيل ". 

وأوضح البيان إن "هذه الحالات بدأت في الأسبوع الثالث من أغسطس حيث بلغت جملتها 416 حالة بمعدل إصابة 1.2 لكل مائة ألف من السكان، والذي يعتبر معدلا طبيعياً حسب المعايير العالمية". 

الوزارة حينها أشارت إلى إن مجهوداتها أسهمت إسهاما فاعلا في تقليل الوفيات؛ حيث بلغت فقط 17 حالة، دون أن تحدد نصيب أي من الولايات الثلاث من عدد الوفيات، لكن بيان وزارة الصحة لم يشر إلى طبيعة الإسهالات ولم يتحدث صراحة عن انتشار مرض الكوليرا. 

وكشفت لجنة الأطباء المركزية عن 99 حالة وفاة، وفصلت في بيان لها ـ ذائع الصيت، بأن عدد الوفيات في مستشفي الأطفال والمراكز الطرفية في مدينة الدمازين، بلغ أكثر من 30 حالة وفاة للأطفال بينما سجلت أكثر من 6 حالات وفاة في قسم الباطنية. 

وفي مدينة الرصيرص سجل مستشفي الأطفال والمراكز الطرفية أكثر من 45 حالة وفاة للأطفال من عمر "شهر الي 15 "عام ، و سجل قسم الباطنية بالمستشفي أكثر من 18 حالة وفاة، طبقا لبيان لجنة الأطباء. 

وطالبت اللجنة بإعلان حالة الطوارئ فورا، والاعتراف بأن الولاية موبوءة وتكوين غرفة طوارئ لمتابعة وإدارة الكارثة، وتوفير المحاليل الوريدية ،و أملاح التروية بالمجان لكل المواطنين في المستشفيات والمراكز الطرفية، وشددت على ضرورة توفير الفرق الطبية ، وتوعية المواطنين بالوقاية من الوباء ومخاطره، كما طالبت بتنقية مياه الشرب ،وإيقاف سياسة التكتم عن الوضع الجاري. 

وعلى ذات المنوال سارت حكومة ولاية النيل الأبيض في تعاملها مع الأزمة، حيث أضطر والي ولاية النيل الأبيض، عبد الحميد كاشا، للكشف عن ازدياد حالات الإصابة والوفاة جراء وباء الإسهالات المائية، وأكد إصابة 2.755 شخصا بالمرض، ووفاة 49 آخرين منذ انتشار الوباء في الولاية، إلا أنّ أطباء بالولاية يرجحون تجاوز عدد الوفيات 60 شخصاً. 

وأكدت وزارة الصحة، في 4 مايو الحالي، وفاة 16 مصابا الإسهالات المائية من جملة 973 حالة إصابة في ولاية النيل الأبيض المتاخمة لدولة جنوب السودان. 

وقال كاشا في بيان سابق أمام مجلس الولايات بالخرطوم ، إنه لا يستطيع الاعلان عن حالة الطواريء لأن ذلك ليس من اختصاصاته ويجب أن تقوم به منظمة الصحة العالمية، مشيرا الى وجود 122 ألف لاجئ في 8 معسكرات و50 ألف نسمة في مناطق متفرقة. 

وأعلن الوالي أن حكومته تعجز عن توفير مياه نقية لمليوني مواطن، وقال "قبل يومين أصيب 54 شخصا بسبب تلوث المياه، وأشار الى إغلاق مصادر للمياه يشرب منها المواطنين نهائياً بقوة الشرطة لأن درجة التلوث عالية جدا وتم توفير المياه بواسطة 27 شاحنة، وأضاف أن السلطات عزلت المرضى في احدى المدارس وتحديد أطعمة بعينها ليتناولوها تمثلت في الأرز والكاسترد." 

وطالب نواب بمجلس الولايات بإعلان حالة الطواري وتحويل ميزانية الولاية واستقطاب الدعم العالمي لمكافحة المرض، وأعربوا عن تخوفهم من انتشار المرض داخل مخيمات اللاجئين ما قد يؤدي إلى وضع صحي كارثي بالولاية. 

حقيقة الوضع

قبل ثلاث ساعات من كتابة هذه السطور، قال د.اليسع عبد القادر في "بوست" على صفحته بالفيسبوك، إن ثلاثة أشخاصا لقوا حتفهم بقرية العميرية بالنيل الأبيض، وأضاف "حتى الآن والوضع من السيء للأسوأ ..نسألك اللطف يا الله ..نكرر النداء لكل المنظمات ولكل أصحاب الجهود الرسمية والخيرية، الوضع خطير والله وفوق طاقة العاملين للإغاثة حاليا، كل من يستطيع فليتحرك ولينقذ روحا".

وفي عسلاية تم تحويل “مدرسة الشهيد خليفة” إلى مقر للحجر الصحي رغم انها تقع في منتصف الحي المأهول بالسكان وهنالك 4 حالات وفاة الأسبوع الماضي، ومازال بداخلها 34 حالة حسب معتز مكين مدير ادارة صحة البيئة بمحلية ربك ، الذي أكد أن الاصابات “متحركة” اي هناك حالات خروج ودخول الى الكرنتينة، واضاف المسؤول أن هناك حملة توعية انتظمت منطقة عسلاية وتم توزيع صابون لغسل الايدي وحبوب مكلورة للمياه لاحتواء المرض.

وتوالت جميع مناطق الولاية بداء من منطقة أم جر غرب النيل الأبيض التي اعلنت نفيرا مبكرا عند بداية ظهور المرض، في تقديم الدعم للمصابين ولكن سرعة انتشار المرض ربما تفرض عليهم واقعا جديدا الأيام الماضية بالرغم أن الاستسلام للمرض لن يكون خيارا مطروحا.

هذه حقيقة الوضع الذي وصلت إليه الكارثة وغيرها من الكوارث التي تحل بالبلاد منذ أن جثم المؤتمر الوطني فوق صدرها ليعلن هو وحكومته على الملأ أنه "حزب رائد لوطن قائد"، حيث لم يُبق وطناً ولا شعباً، ولم يكون بوسعه وعلى مدى أكثر من ربع قرن من الحكم تجنب حدوث مثل هذه الكوارث الصحية التي تعصف بالبلاد كل عام. 

جهود شعبية 

لم تقف جهود أبناء النيل الأبيض والأهالي عند الشجب والاستنكار لسلحفائية الحكومة في التحرك السريع والجاد نحو الأزمة، بل تعدوها للقيام بالواجب حيث شُكلت فرقا طوعية لإنقاذ حياة من أُصيبوا من المرضى، متخذين من "صفحة شباب النيل الأبيض للتغيير على منصة "فيسبوك" وسيلة للتوعية والدعاية لنشاطهم الذي أثمر في تحقيق عدد من الاستجابات السريعة، آخرها تسليم مندوب العميرية 10 كراتين محاليل وريدية و600 جرعة دواء عشبي. 

وأسهمت تلك الجهود على تواضعها في إنقاذ ما تبقى من الحالات التي لم تصل مراحل متأخرة، ومع ذلك تدخلت وزارة الصحة في احتجاز الدواء الذي تبرعت به المجموعة الطوعية "مجموعة التغيير"، لصالح مستشفى كوستي، إلا أن المجموعة ولعلمها بنوايا القائمين على الأمر في إفساد كل ما هو جميل وانساني، أرسلت مندوبين عنها لاستلام الدواء، بحسب ما نقله نجم الدين محمود، في قروب المجموعة على "فيس بوك". 

غرفة طواريء

وقال "شعبان الكليس" على صفحته في الفيس بوك، إن "الإسهالات" وصلت قريتي القراصة والجمّالاب الواقعتين شمال الولاية، وبذلك يكون المرض قد انتقل إلى معتمدية القطينة المحاذية لولاية الخرطوم التي لم تعلن عن حالات مماثلة بصورة رسمية. 

حيث افاد "الكليس" أن الإسهالات انتشرت بقرية القراصة وهناك حالتين من الوفيات قبل انتشار المرض، وأشار إلى تحويل كل الحالات التي ظهرت الى مدرسة الجمّالاب التي أصبحت مركزاً طوعيا نشطا لاستقبال المرضى والقيام ببعض الإسعافات الأولية منذ ظهور بعض الحالات بالقرية، منوها إلى إغلاق مستشفى القطينة أمام استقبال حالات جديدة. 

حلول الأزمة 

الحل الطويل الأجل لمكافحة الكوليرا (والمُجدي في مكافحة جميع الأمراض المنقولة عن طريق تناول الأطعمة أو شرب المياه الملوثة بالفيروسات المنقولة بالبراز) هو حل يكمن في تحقيق التنمية الاقتصادية وحصول الجميع على مياه الشرب المأمونة ومرافق الإصحاح الملائمة، وهي تدابير تؤمن الوقاية من الكوليرا المتوطنة ووباء الكوليرا على حد سواء. 

وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن جملة من الإجراءات التي تستهدف تحسين الظروف البيئية أهمها: 

ـ إقامة شبكات توزيع المياه بواسطة الأنابيب ومرافق لمعالجة المياه (بالكلور)، تنفيذ تدخلات على مستوى الأسر المعيشية (تنقية المياه بواسطة المرشحات أو تعقيمها بالمواد الكيميائية أو بالطاقة الشمسية، وتخزين المياه على نحو مأمون). 

ـ إنشاء شبكات لتصريف مياه المجارير على نحو مأمون، بما فيها مياه المراحيض. 

وأوضحت المنظمة أن تنفيذ العديد من هذه التدخلات يستدعي توظيف استثمارات كبيرة على المدى الطويل وصيانتها باستمرار، ممّا يجعل أمر تمويلها ودعمها صعباً على البلدان الأقل نمواً التي تمسّ فيها الحاجة إلى تلك التدخلات. 

العلاج

ويضيف خبراء بالمنظمة، أن الكوليرا مرض سهل العلاج، ويمكن أن يتكلّل علاج معظم المصابين به بالنجاح من خلال الإسراع في إعطائهم محاليل الإمهاء الفموي، حيث يُذاب محتوى الكيس القياسي من محلول الإمهاء الفموي الذي توزّعه المنظمة ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) في لتر واحد من المياه النظيفة، وقد يحتاج المريض البالغ إلى كمية تصل إلى 6 لترات من هذا المحلول لعلاج الجفاف المعتدل في اليوم الأول من إصابته بالمرض.) 

وقبل حلول موعد الخريف الذي بدأت بشرياته في الهطول الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر في تفاقم انتشار الوباء، يبقى السؤال الأكثر إلحاحا ويحتاج إلى إجابة عاجلة من مسؤولي الحكومة.. وهو هل خرج وباء الكوليرا عن السيطرة؟

ليست هناك تعليقات :